تُعد "أبل" واحدة من أكثر شركات التكنولوجيا تأثيراً ونجاحاً على مدار العقود الماضية، بفضل منتجات غيرت شكل صناعة الأجهزة الإلكترونية، وفي مقدمتها iPod وiPhone وApple Watch.

لكن مسيرة الشركة لم تخلُ من إخفاقات علنية، كان من أبرزها الأزمة التي صاحبت إطلاق هاتف آيفون 4 عام 2010، والمعروفة إعلامياً باسم "أنتينا غيت".

اقرأ أيضًا: 5 خطوات لحل مشكلة تعطل Touch ID في هاتف آيفون ديو

أطلق ستيف جوبز، المؤسس الراحل لشركة أبل، الهاتف خلال مؤتمر المطورين العالمي للشركة في 7 يونيو 2010، وسط اهتمام كبير بتصميمه الجديد، الذي تميز بإطار خارجي من الفولاذ المقاوم للصدأ لم يكن مجرد عنصر جمالي، بل كان يؤدي أيضاً وظيفة هوائي الاتصالات.

لكن بعد فترة قصيرة من طرح الهاتف، بدأت شكاوى المستخدمين تتزايد بشأن ضعف الاتصال بشبكات الهاتف المحمول.

ولاحظ عدد من مالكي الجهاز أن الإمساك به باليد اليسرى يؤدي إلى تراجع جودة المكالمات أو انقطاع الاتصال تماماً، بحسب تقرير نشره موقع "slashgear" واطلعت عليه "العربية Business".

وهكذا تحولت إحدى أبرز نقاط التميز في تصميم الهاتف إلى مصدر أزمة واسعة النطاق، وضعت "أبل" أمام اختبار صعب يتعلق بجودة منتجاتها وطريقة تعاملها مع مشكلات التصنيع والتصميم.

"أبل" تحاول إبعاد المسؤولية عن تصميم الهاتف

لم تكن طريقة تعامل "أبل" مع الأزمة أفضل من المشكلة التقنية نفسها، إذ حاولت الشركة في البداية التقليل من خطورتها، وهو ما أدى لاحقاً إلى تسوية دعوى قضائية جماعية، استمرت تداعياتها لأكثر من عامين، حتى بعد إطلاق الجيل التالي iPhone 4S.

وفي رسالة وجهتها الشركة إلى المستخدمين، أرجعت المشكلة في البداية إلى خلل في خوارزمية برمجية مسؤولة عن عرض قوة إشارة الشبكة، وقالت إن أجهزة آيفون لا تعرض مستوى الإشارة بصورة دقيقة.

وجاء في رسالة "أبل": "بعد التحقيق، فوجئنا بأن المعادلة التي نستخدمها لحساب عدد أشرطة قوة الإشارة المعروضة على الشاشة خاطئة تماماً. ففي بعض الأحيان، نعرض أربعة أشرطة بينما ينبغي أن نعرض شريطين فقط".

ورغم أن هذه المعلومة كانت صحيحة جزئياً، فإنها لم تتناول السبب الأساسي للمشكلة، المرتبط بتصميم الهوائي نفسه.

وزادت تصريحات "أبل" من تعقيد الموقف، بعدما حاول المتحدث باسم الشركة ستيف داولينغ تحميل شركات أخرى جزءاً من المسؤولية. ففي تصريحات لصحيفة "نيويورك تايمز"، قال إن الإمساك بأي هاتف يؤدي إلى تراجع أداء الهوائي بدرجة ما، وفقاً لموقع الهوائيات داخل الجهاز.

كما أشارت رسالة "أبل" إلى أن هواتف منافسة من شركات مثل "Droid" و"نوكيا" و"RIM" تعاني المشكلة نفسها، وهو ما أثار اعتراض شركة RIM، المنتجة لهواتف "بلاك بيري"، على هذه المقارنة.

أما ستيف جوبز، فقد أطلق تصريحه الشهير: "فقط تجنب الإمساك به بهذه الطريقة"، في إشارة إلى الطريقة التي تؤدي إلى إضعاف الإشارة.

ولم يكن هذا التصريح حلاً عملياً لخلل جوهري في تصميم الهاتف، بل تحول إلى مادة للسخرية عبر الإنترنت، وأصبح من العبارات التي ارتبطت بأزمة "أنتينا غيت" حتى اليوم.

ما السبب الحقيقي وراء مشكلة هوائي آيفون 4؟

قبل إطلاق آيفون 4، كانت هوائيات الاتصالات في هواتف "أبل" موجودة داخل هيكل الجهاز، بعيداً عن ملامسة يد المستخدم المباشرة.

لكن الشركة غيرت هذا التصميم جذرياً مع الهاتف الجديد، إذ استخدمت إطاراً معدنياً يحيط بالجهاز من الخارج، وأصبح هذا الإطار نفسه جزءاً من نظام الهوائيات.

وأدى هذا التغيير إلى إمكانية ملامسة يد المستخدم للهوائي مباشرة، ما أثر في استقبال الإشارة، خصوصاً عند الإمساك بالهاتف باليد اليسرى.

وعلى الجانب الأيسر من الهاتف، كان هناك جزءان منفصلان من الهوائي يلتقيان عند نقطة اتصال تفصل بينهما قطعة بلاستيكية.

وعند الإمساك بالجهاز بطريقة معينة، كانت يد المستخدم تشكل جسراً كهربائياً بين الجزأين، ما يؤدي إلى تغيير الخصائص الكهربائية للهوائي وإضعاف استقبال الإشارة الخلوية، أو فقدانها بالكامل، وفقاً لموقع "Computerworld".

وكانت الأزمة قد تصاعدت بصورة أكبر بعد اختبار أجرته مجلة "Consumer Reports"، أكد وجود مشكلة في استقبال الإشارة نتيجة تصميم الهوائي.

وأعلنت المجلة أنها لا تستطيع التوصية بشراء آيفون 4 بسبب هذه المشكلة، في قرار شكل إحراجاً كبيراً لشركة أبل، التي لطالما روجت لجودة تصنيع أجهزتها ودقة تصميمها.

واقترحت المجلة بعض الحلول المؤقتة، من بينها تغطية الفجوة الموجودة في الهوائي بشريط لاصق، مشيرة أيضاً إلى أن استخدام غطاء واقٍ للهاتف قد يساعد في معالجة المشكلة.

ورغم تقييمها الإيجابي لبقية مواصفات الجهاز، بما في ذلك شاشة Retina الأولى في هواتف آيفون، والكاميرا المتميزة والبرمجيات، فإن مشكلة الهوائي حرمته من الحصول على علامة "موصى به" التي تمنحها المجلة للمنتجات.

"أبل" تقدم أغطية مجانية بدلاً من سحب الهاتف

في مواجهة المطالبات باستدعاء أجهزة آيفون 4 وإصلاح الخلل، اختارت "أبل" تقديم حلول بديلة للمستخدمين الذين اشتروا الهاتف في بداية طرحه.

وخلال مؤتمر صحفي خاص عقدته الشركة في 16 يوليو 2010، ألقى ستيف جوبز كلمة بدأها بالقول: "كما تعلمون، نحن لسنا مثاليين، ونعرف ذلك، وأنتم تعرفون ذلك، والهواتف ليست مثالية أيضاً".

وكان هذا التصريح أقرب ما وصل إليه جوبز من الاعتراف المباشر بمسؤولية الشركة، لكنه لم يتضمن إقراراً واضحاً بوجود خلل في تصميم آيفون 4.

وبدلاً من ذلك، عاد جوبز إلى الإشارة إلى أن ضعف استقبال الإشارة عند الإمساك بالهاتف يمكن ملاحظته أيضاً في أجهزة منافسة، وعرضت "أبل" خلال المؤتمر اختبارات لهواتف أخرى، استخدم فيها موظفو الشركة طريقة الإمساك القوية المعروفة باسم "Death Grip" لمحاولة إضعاف استقبال الإشارة.

وفي المؤتمر نفسه، أشار جوبز إلى اختبار "Consumer Reports" الذي أوضح أن استخدام غطاء واقٍ يمكن أن يعالج المشكلة، ثم أعلن أن "أبل" ستقدم غطاءً مجانياً لكل مالكي آيفون 4، وكذلك للعملاء الجدد خلال الأشهر الثلاثة التالية.

وشملت الخيارات أغطية من تصميم "أبل"، إلى جانب منتجات لشركات أخرى.

كما أعلنت الشركة أنها ستعيد الأموال للعملاء الذين سبق لهم شراء أغطية لهواتفهم عبر متجر Apple Store، وقررت تمديد فترة إرجاع الهاتف إلى 30 يوماً، مع منح العملاء الحق في استرداد كامل المبلغ المدفوع.

وقال جوبز خلال المؤتمر: "نريد أن نجعل الجميع سعداء، وإذا لم نتمكن من إسعادكم، فسنعيد إليكم أموالكم بالكامل".

تسوية قضائية وأسئلة حول معرفة "أبل" بالمشكلة مسبقاً

انتهت الأزمة قانونياً بعد مرور ما يقرب من عامين، عندما وافقت "أبل" على تسوية دعوى قضائية جماعية، أتاحت لكل من اشترى آيفون 4 خلال فترة محددة مدتها 120 يوماً الحصول على 15 دولاراً أو غطاء مجاني للهاتف.

ومع ذلك، لا يبدو أن الأزمة أثرت بصورة كبيرة في مبيعات الجهاز، إذ واصل ملايين المستخدمين شراء آيفون 4 رغم الجدل المرتبط بالهوائي.

ويرجح أن بعض هؤلاء لم يكونوا على علم بالمشكلة من الأساس، بينما افترض آخرون أن استخدام الغطاء الواقي الذي كانوا سيشترونه لحماية الهاتف على أي حال سيمنع ظهور مشكلة ضعف الإشارة.

لكن الأسئلة استمرت بشأن ما إذا كانت "أبل" على علم بالمشكلة المحتملة قبل طرح الهاتف في الأسواق.

فبينما نفى ستيف جوبز معرفة الشركة بوجود مخاوف تتعلق بهوائي iPhone 4، ذكرت وكالة "بلومبرغ" أن أحد كبار مهندسي الهوائيات في "أبل" كان على دراية بالمشكلة، وحذر المسؤولين في الشركة من أن اعتماد الهوائي الخارجي قد يؤدي إلى مشكلات في استقبال الإشارة.

ورغم أن التفاصيل الكاملة لما حدث داخل أبل قبل إطلاق الهاتف قد لا تُعرف أبداً، فإن أزمة "أنتينا غيت" تظل واحدة من أبرز المحطات التي كشفت كيف يمكن لتفصيل هندسي في تصميم منتج ناجح أن يتحول إلى أزمة عالمية، خصوصاً عندما تتعثر الشركة في الاعتراف بالمشكلة والتعامل معها منذ البداية.