"كانت تلك الثواني هي الأصعب في مسيرتي حتى الآن.. كان متبقيا 20 ثانية والكرة مع الزمالك، وإذا سُجلت لتغيّرت وجهة اللقب الإفريقي من الأهلي إلى الغريم التقليدي".
بهذه الكلمات يستعيد عبد الرحمن حميد، حارس مرمى فريق اليد بالنادي الأهلي، واحدة من أكثر اللحظات حدة وضراوة في مسيرته الرياضية؛ ثوانٍ معدودة فصلت فريقه عن خسارة لقب دوري أبطال إفريقيا في نهائي مثير أمام الزمالك بأنجولا، قبل أن ينجح الأهلي في حسم المواجهة بنتيجة (26-25)، مضيفا لقبا قاريا جديدا إلى خزائنه.
اقرأ أيضًا: ذكرى قمة الأهلي والزمالك.. تفاصيل نهائي السوبر المصري وكيف حسمه الشناوي
في كرة اليد، لا تُقاس قيمة حارس المرمى بعدد الكرات التي يتصدى لها فحسب، بل بقدرته على الظهور في اللحظة التي لا تحتمل الخطأ، حين يصبح الفارق بين المجد والانكسار مسألة أجزاء من الثانية. وقبل نهائي أنجولا، خاض حميد ورفاقه اختبارا عالميا صعبا في بطولة كأس العالم للأندية، بعدما نجح الأهلي في التغلب على فوكس برلين الألماني، بطل أوروبا، ثم واصل مشواره بالفوز على الزمالك، ليحصد الميدالية البرونزية بعد انتصاره بنتيجة (30-25).
وقد كشفت هذه المواجهات المتتالية أمام كبار اللعبة عن شخصية حارس يمتلك ثباتا ذهنيا وقدرة على التعامل مع الضغوط في المواعيد الكبرى.
وفي المقابل، يضع حميد مواجهة فوكس برلين في مقدمة المباريات التي يعتز بها خلال مسيرته، معتبرا إياها محطة مهمة أثبت فيها الأهلي قدرته على مقارعة كبار اللعبة عالميا. أما مستقبله، فيحمل بدوره آفاقا وتحديات جديدة مع اقتراب نهاية عقده وتلقيه عروضا احترافية خارجية يدرسها بعناية، من دون أن يحيد عن تركيزه الحالي على مواصلة حصد البطولات مع الأهلي.
وفي حواره مع FilGoal.com، يتحدث عبد الرحمن حميد عن كواليس المواجهات الكبرى، والضغط العصبي الذي يعيشه حارس المرمى في المباريات الحاسمة، وطريقته الخاصة في قراءة تحركات المنافسين، وأسرار نجاح منظومة كرة اليد بالأهلي، إلى جانب طموحاته المستقبلية وموقفه من التجديد والعروض الاحترافية.
قمة الأهلي والزمالك.. مباراة من طابع خاص
شدد عبد الرحمن حميد أن مباريات الأهلي والزمالك تختلف عن أي مواجهة أخرى، نظرا إلى طبيعة المنافسة التاريخية بين الفريقين وما تفرضه من ضغوط إضافية على اللاعبين. وأوضح أن الاستعداد لمثل هذه المباريات يتطلب مجهودا مضاعفا على المستويين البدني والذهني، في ظل رغبة كل فريق في حسم المواجهة لمصلحته.
وأشار حميد إلى أن صعوبة المباريات تتضاعف عندما تأتي ضمن بطولة قوية تتنافس خلالها فرق عديدة على الألقاب والميداليات، وهو ما يفرض على اللاعبين الحفاظ على أعلى درجات التركيز والجاهزية طوال المنافسات.
وأضاف أن سياسة التدوير بين اللاعبين تمثل أحد العناصر المهمة في الحفاظ على مستوى الفريق؛ إذ يحصل اللاعب الذي بذل مجهودا كبيرا على قسط من الراحة، ليشارك زميله ويقدم بدوره أقصى ما لديه، بما يمنح الجهاز الفني مساحة أكبر لإدارة المجهود البدني والتعامل مع ضغط المباريات المتتالية.
عشرون ثانية.. إنها الأصعب في مسيرتي حتى الآن
وعن اللحظات الحاسمة في الدقائق الأخيرة من نهائي دوري أبطال إفريقيا، استعاد حميد مشهد الثواني الأخيرة التي كان فيها اللقب على المحك، موضحا أن المباراة بلغت ذروة صعوبتها عندما لم يتبقَّ سوى نحو 20 ثانية، وكانت الكرة في حوزة الزمالك، الذي كان بإمكانه قلب النتيجة وحسم اللقب إذا نجح في التسجيل.
وقال حميد إن تلك اللحظات كانت من أصعب ما مر به في مسيرته حتى الآن، مشيرا إلى أن الكرة التي سبقت هدف مودي ظلت عالقة في ذاكرته، لما حملته من ضغط استثنائي، في ظل إدراكه أن خطأ واحدا قد يغيّر مصير البطولة بالكامل.
وأوضح أن طبيعة كرة اليد تفرض على اللاعب الاستعداد لمثل هذه المواقف والتعامل معها بشجاعة، من دون السماح للخوف بالتأثير في قراراته. وأكد أن التوفيق يظل عاملا مهما في اللحظات الفاصلة، وأن الأهلي حالفه التوفيق في النهاية، ليتمكن من تحقيق هدفه والتتويج باللقب.
فوكس برلين.. المباراة التي يضعها في مقدمة مسيرته
وعلى مستوى المشاركات العالمية، يرى حميد أن مواجهة فوكس برلين الألماني كانت أهم بالنسبة إليه من مباراة برشلونة التي خاضها الأهلي قبل عامين، رغم القيمة الكبيرة للفوز على الفريق الإسباني وقتها.
وأوضح أن مواجهة فوكس برلين اكتسبت أهمية استثنائية، في ظل قوة المنافس الأوروبي وتأثير نتيجة المباراة في فرص الأهلي للمنافسة على المراكز المتقدمة. وأضاف أن الترشيحات كانت تصب في مصلحة الفريق الألماني، لكن لاعبي الأهلي نجحوا في قلب التوقعات وتحقيق الفوز.
وأشار حميد إلى أن الأهلي واجه الزمالك بعد ذلك بنحو 48 ساعة، ونجح في التفوق عليه أيضا، معتبرا أن الفوز على فوكس برلين ثم مواصلة المشوار أمام المنافس التقليدي منح تلك المواجهات مكانة خاصة في مسيرته.
وأردف أن هذه النتائج تعكس قدرة الأهلي على مقارعة الفرق الكبرى، مشددا على أن اسم المنافس أو تاريخه لا ينبغي أن يحسما نتيجة المباراة قبل انطلاقها، ما دام الفريق يستعد جيدا ويؤمن بقدرته على الفوز.
منظومة متكاملة وراء نجاح كرة اليد بالأهلي
وعن أسباب نجاح فريق كرة اليد بالنادي الأهلي، شدد حميد على أن الإنجازات لا تتحقق بفضل لاعب واحد أو عنصر منفرد، بل تأتي ثمرة منظومة متكاملة تعمل على توفير الظروف المناسبة للنجاح والاستمرار في المنافسة.
وألمح إلى دور خالد العوضي في دعم الفريق، إلى جانب وجود جهاز فني على مستوى مرتفع ومجموعة من اللاعبين المميزين، فضلا عن توافر مناخ يساعدهم على التركيز والتطور. كما لفت إلى أهمية الاهتمام بالجوانب البدنية والطبية والفنية، ومن بينها إعداد حراس المرمى، الذي يؤدي دورا مهما في تجهيزهم للمباريات الكبرى.
وتابع حميد أن تضافر هذه العوامل يمنح الفريق القدرة على المنافسة باستمرار، موضحا أن النجاح يحتاج إلى عمل جماعي داخل الملعب وخارجه، ولا يقتصر على امتلاك مجموعة من اللاعبين أصحاب القدرات الفردية المميزة.
قراءة المنافس.. لماذا لا يعتمد على الفيديو وحده؟
وعن طريقته في الاستعداد للمهاجمين، أوضح حميد أن لكل حارس مرمى أسلوبه الخاص في دراسة المنافسين؛ فبينما يعتمد بعض الحراس بصورة أساسية على مشاهدة مقاطع الفيديو وتحليل تحركات اللاعبين، فإنه لا يجعل هذه الوسيلة محور استعداده الأول.
وقال إنه يفضّل الاعتماد على رد الفعل وقراءة حركة المنافس أثناء المباراة، وملاحظة طريقة تصرفه في المواقف المختلفة، ثم الربط بين هذه التفاصيل لتكوين تصور عن أسلوبه والقرارات التي قد يتخذها.
وأضاف أن هذه الطريقة اعتاد عليها منذ صغره، حتى أصبحت جزءا أساسيا من أسلوبه في حراسة المرمى.
وفيما يتعلق باللحظات التي تتطلب قرارا فوريا، تحدث حميد إلى أن اللاعب الموجود داخل الملعب قد يكون الأقدر على تقدير الموقف في بعض الأحيان، لأنه يتعامل مباشرة مع حركة الكرة والمنافس. حيث أنه بعض اللحظات لا تتيح وقتا للتفكير المطول، ويصبح المطلوب فيها التحرك سريعا وبذل أقصى جهد ممكن لمنع الكرة من الوصول إلى الشباك.
ضغط جماهير الأهلي.. كيف يتعامل حميد مع الانتقادات؟
وعن الضغوط الإعلامية والجماهيرية، أكد حميد أن اللعب في نادٍ بحجم الأهلي يفرض مسؤولية كبيرة على اللاعبين، في ظل طموحات جماهيره التي تنتظر المنافسة على جميع البطولات وتحقيق أفضل النتائج باستمرار.
وأوضح أن هذه التوقعات تضع اللاعبين وأفراد المنظومة الرياضية تحت ضغط كبير، إلى جانب الضغوط المرتبطة بجماهير الفرق المنافسة، مشيرا إلى أن طريقة التعامل مع هذه الأجواء تختلف من لاعب إلى آخر؛ فهناك من يحولها إلى دافع إضافي، بينما يتأثر بها آخرون بصورة سلبية.
وتابع بأنه يحاول التعامل مع الضغوط بصورة طبيعية، انطلاقا من قناعته بأن الانتقادات جزء من الحياة الرياضية، وأن على اللاعب مواصلة العمل على تطوير نفسه، حتى لا تؤثر تلك الضغوط في تركيزه أو مستواه داخل الملعب.
وتوقف حميد على أهمية بقاء التعامل في إطار الاحترام المتبادل، بعيدا عن الإساءة أو التجاوز، مؤكدا أن القدرة على التعامل مع الضغوط مهارة يحتاج اللاعب إلى اكتسابها باستمرار، مثلما يطور قدراته الفنية والبدنية.
وعن طموحاته مع الأهلي خلال المرحلة المقبلة، صرح حميد أن هدفه يتمثل في مواصلة حصد البطولات المحلية والإفريقية، والبناء على النجاحات التي حققها الفريق خلال المواسم الماضية.
وأشار إلى أن الحفاظ على القمة قد يكون أصعب أحيانا من الوصول إليها، خاصة في ظل وجود منافسين أقوياء يسعون بدورهم إلى إنهاء هيمنة الأهلي على البطولات. وأضاف أن ذلك يدفع اللاعبين إلى تجديد دوافعهم والعمل على تطوير أنفسهم بصورة مستمرة، حتى لا يتحول النجاح السابق إلى سبب للاكتفاء بما تحقق.
وعن مستقبله الاحترافي، فقد صرح بأن الموسم الحالي هو الأخير في عقده مع الأهلي، وأنه تلقى عروضا احترافية خارجية بظروف جيدة، لكنه يركز في الوقت الراهن على مشواره رفقة الفريق، مؤكدا أن الاستمرار مع الأحمر حال الاحتياج إليه لمواسم إضافة يظل أولوية بالنسبة له.
وعلى مستوى المنتخب الوطني، أعرب حميد عن أمله في تحقيق إنجاز تاريخي خلال بطولة العالم المقبلة، والسعي إلى بلوغ الدور نصف النهائي، إلى جانب طموحه في تقديم مشاركة قوية خلال دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس عام 2028.